6:03
أشرف لكنيزي
افتتح السيد هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، أشغال اللقاء التنسيقي الوطني الثالث المنظَّم بشراكة بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني وقيادة الدرك الملكي، والذي تحتضنه مدينة مراكش يومي 2 و3 يوليوز 2026 تحت عنوان «التحديات العملية لتنزيل مستجدات قانون المسطرة الجنائية»، بحضور ثلة من كبار المسؤولين القضائيين والأمنيين.
ويأتي هذا اللقاء، الثالث من نوعه بعد لقاءين سابقين في يونيو 2021 وأبريل 2025، ليشكل — حسب البلاوي — «محطة جديدة في مسار تقوية التعاون المؤسساتي» بين المؤسسات الثلاث، وتجسيداً للإرادة المشتركة الرامية إلى تطوير أداء العدالة الجنائية والرفع من نجاعة الأبحاث وصيانة الحقوق والحريات، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وكشف رئيس النيابة العامة عن حصيلة رقمية لافتة لسنة 2025 في مجال تدبير الشكايات واحترام الأجل المعقول، إذ بلغ عدد الشكايات الرائجة أمام النيابات العامة بمحاكم المملكة 574.972 شكاية، تم إنجاز 525.381 منها، أي بنسبة إنجاز وصلت إلى 92% من الرائج و104% من المسجَّل.
وأوضح البلاوي أن هذا المجهود مكَّن من تقليص المخلَّف من 66.651 شكاية عند نهاية سنة 2024 إلى 49.591 شكاية عند نهاية سنة 2025.
وعلى مستوى المحاضر، بلغ مجموع الرائج خلال السنة نفسها 2.496.240 محضراً، عالجت النيابات العامة منها 2.320.092 محضراً بنسبة إنجاز ناهزت 93%، وهي أرقام اعتبرها المسؤول القضائي لا تستمد أهميتها من بعدها الإحصائي فحسب، بل تعكس «أثراً عملياً للتنسيق المنتظم مع مصالح الشرطة القضائية».
وفي السياق ذاته، أعلن الوكيل العام أن النيابات العامة واصلت جهودها لمراجعة برقيات البحث بتنسيق مع مصالح الشرطة القضائية، تفادياً لاستمرار أوضاع قانونية «لم تعد قائمة أو لم تعد مبرَّرة»، وهو ما أثمر بفضل التعاون مع مصالح المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي، إلغاء 74.612 برقية بحث خلال سنة 2025.
نحو تحيين «الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية»
كما توقف البلاوي عند المكتسبات العملية للمسار التنسيقي، وفي مقدمتها إعداد «الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية» الذي شكّل مرجعاً موجِّهاً لعمل النيابات العامة وضباط الشرطة القضائية.
غير أنه شدّد على أن المستجدات التي جاء بها القانون رقم 03.23 — لا سيما ما يتعلق بتدبير الشكايات والوشايات، والإجراءات المقيدة للحرية، والأبحاث المالية الموازية، وتقنيات البحث المستحدثة — «تفرض اليوم التفكير في مراجعته وتحيين مضامينه»، حتى يظل مواكباً للتحولات التشريعية والعملية وقادراً على أداء وظيفته كوثيقة مرجعية مشتركة.
وفي قراءته لفلسفة الإصلاح، اعتبر رئيس النيابة العامة أن رهان المستجدات لا يقتصر على استيعاب مضامينها القانونية، بل يمتد إلى «حسن تنزيلها على مستوى الممارسة العملية»، مؤكداً أن «القيمة الحقيقية لأي تعديل تشريعي لا تقاس فقط بما يحمله من مقتضيات جديدة، وإنما بمدى القدرة على تحويله إلى ممارسة مهنية منسجمة».
وأبرز أن نجاح تنزيل هذه المقتضيات يظل رهيناً بجودة التنسيق بين النيابة العامة والشرطة القضائية، باعتبارهما الفاعلَين الأساسيَّين في مرحلة البحث الجنائي؛ فالشرطة القضائية «توجد في الواجهة الأولى للتصدي للجريمة»، فيما تتولى النيابة العامة الإشراف على الأبحاث وتوجيهها والسهر على احترام الشرعية الإجرائية.
وجدّد البلاوي التأكيد على أن أثر النصوص القانونية «يظل محدوداً ما لم تقترن بحسٍّ مهنيٍّ عالٍ وأخلاقيات مهنية راسخة»، مستحضراً أن النزاهة والتجرد والحياد والانضباط واحترام القانون تُعدّ «مقومات جوهرية لبناء ثقة المواطن في عدالته».
واستشهد في هذا الصدد بتأكيد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة، على أن نجاح أي إصلاح لا يتوقف على النصوص والآليات وحدها، وإنما يقوم كذلك على «الضمير المسؤول للفاعلين فيها».
ودعا رئيس النيابة العامة المشاركات والمشاركين إلى أن يكون النقاش «رصيناً وهادفاً وعملياً»، منصبّاً على رصد الصعوبات التي قد تعترض النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية في تدبير الأبحاث وتطبيق الإجراءات المقيدة للحرية وإنجاز الأبحاث المالية الموازية واستعمال تقنيات البحث المستحدثة.
كما دعا إلى ترجمة خلاصات اللقاء في شكل توصيات عملية قابلة للتنفيذ تكون منطلقاً لمزيد من التكوين والتأطير والتنسيق على المستويات المركزية والجهوية والمحلية، بما يضمن «تنزيلاً موحداً وسليماً للمقتضيات الجديدة».
وفي ختام كلمته، جدّد البلاوي شكره للسيد المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، وللسيد الفريق أول قائد الدرك الملكي، على تفاعلهما الدائم مع مبادرات رئاسة النيابة العامة وانخراطهما في تعزيز التعاون والتنسيق والرفع من نجاعة العدالة الجنائية بالمغرب.