3:27
الدار البيضاء – أمير جدمار
تحت طبقات الإسمنت وخطوط الترامواي وأبراج “كازا نير شور”، يجري نهر لم يعد له مجرى ظاهر. اسمه واد بوسكورة. شريان مائي شطر الدار البيضاء إلى قسمين لقرون، قبل أن يتم تغطيته كلياً خلال فترة الحماية الفرنسية.
قبل أن تتحول “العاصمة الاقتصادية” إلى شوارع وأبراج، كانت شبكة مجاري مائية. وفي قلبها مرّ واد بوسكورة، الذي شكّل على مدى تاريخه جزءاً من البنية الجغرافية الطبيعية لكازابلانكا.
المسار التاريخي: من مرتفعات بوسكورة إلى المحيط الأطلسي
ينبع واد بوسكورة من مرتفعات بوسكورة وبوشنتوف شمال جماعة النواصر. وكان مساره الطبيعي يمتد حتى يصب في المحيط الأطلسي شرق المدينة القديمة، عند تقاطع شارع هوفويت بوانيي، المعروف اليوم بشارع الموحدين.
وقد قطع مجراه المدينة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، وهو ما جعلها مقسومة إلى شطرين. ويشير باحثون في تاريخ المدينة إلى أن «زنقة الأمير عبد الله، والمعروفة لدى البيضاويين بالبرانس، كانت تُسمى سابقاً طريق بوسكورة»، ما يدل على أن الشارع أقيم فوق حوض الوادي.
كما مر مجرى الوادي عبر مناطق تعرف اليوم بـ: بوشنتوف، سيدي معروف، وعين الشق.
الروافد المنسية: واد قريعة والعيون الثلاث
لم يكن بوسكورة النهر الوحيد. فقد كان يلتقي برافد فرعي يُعرف بـ «واد قريعة».
ويتكون هذا الرافد من ثلاثة منابع: الأول في موقع سوق القريعة الحالي، والثاني من عين الشق، والثالث من حي «لارميطاج». وتلتقي هذه الروافد عند مدار مرس السلطان قبل أن تخترق شارع أنوال بالمعاريف. ويفسر ذلك، وفق شهادات محلية، «الاهتزازات التي يشعر بها سائقو السيارات» عند المرور بالشارع، باعتبار أن الأرض تحته فوق مجرى مائي مغطى.
كنيسة القلب المقدس.. فوق غدير سابق
من أبرز معالم المدينة المرتبطة بالوادي موقع كنيسة «القلب المقدس» Sacré-Cœur.
وبحسب خرائط أرشيف الحماية الفرنسية، كانت المنطقة التي تشغلها الكنيسة اليوم وساحة محمد الخامس عبارة عن «غدير/بحيرة» طبيعية يتسع فيها واد بوسكورة قبل انسيابه نحو البحر. وكان الوادي يتفرع في تلك النقطة مكوناً مستنقعاً موسمياً.
وقد مكّن ردم المنطقة في بداية القرن العشرين من بناء الكنيسة سنة 1930 والمدينة الأوروبية المحيطة بها. أي أن قلب المدينة الإداري اليوم أقيم على موقع كان في السابق قاعاً مائياً.
فيضانات موثقة: من 1908 إلى 1996
لم تكن فيضانات سنة 1996 الأولى من نوعها. فالسجلات التاريخية تذكر فيضاناً مدمراً سنة 1908 جرف محاصيل وأحياء صفيحية على ضفاف الوادي، وخلف خسائر بشرية لم توثقها الإدارة الاستعمارية بشكل دقيق.
وتكرر المشهد سنة 1996 بقوة أكبر، حيث بلغ صبيب المياه 45 متراً مكعباً في الثانية، مقابل طاقة استيعاب لشبكة التطهير لا تتجاوز 2 متر مكعب. وغرقت حينها مناطق الكليات وليساسفة وجنوب طريق الجديدة، وفاضت المياه على المدرسة الحسنية للأشغال العمومية والمختبر العمومي.
كما تسبب فيضان حي بوجدور سنة 1996 في انهيار منازل وخسائر بشرية.
قرار التغطية: النهر عائقاً أمام التعمير
بدأت عملية تغطية الوادي سنة 1920 مع انطلاق التوسع الاستعماري للمدينة الأوروبية، حيث تقرر تحويل مجراه إلى قناة مغطاة «لتسهيل التعمير».
وفي خمسينيات القرن الماضي، أنشئت «القناة المجمعة الغربية» لاستقبال مياهه. وبذلك لم تكن الفكرة محلية، بل قراراً استعمارياً اعتبر النهر عائقاً أمام مخط مدينة حديثة.
الوضع الراهن: تلوث تحت “كازا نير شور”
اليوم لم يعد الوادي يفيض فحسب، بل أصبح مساراً مغلقاً لنفايات البناء والأزبال المنزلية.
وتعد المنطقة الأخطر حالياً مصبه عند “كازا نير شور” Nearshore، المنطقة الصناعية البحرية الجديدة. وهنا تلتقي القناة تحت الأرضية بطول 6.9 كلم مع البحر.
وتفيد معطيات من وكالة الحوض المائي بأن مياه الوادي تحمل زيوتاً ومعادن ثقيلة ومخلفات مصانع المنطقة الصناعية ليساسفة وسيدي معروف، قبل ضخها مباشرة في المحيط.
شوارع فوق مجرى مائي: أين تسير اليوم؟
في حال إزالة الإسمنت، سيظهر أن مسار الوادي يمر تحت:
سيدي معروف وبوشنتوف: حيث كان المجرى الأصلي قبل أن تغطيه البنايات.
عين الشق والمعاريف: حيث يهتز شارع أنوال بسبب مرور واد قريعة تحته.
ساحة محمد الخامس والكنيسة: وكانتا في السابق غديراً يتجمع فيه الوادي.
زنقة الأمير عبد الله وفندق إكسيلسيور وساحة الأمم المتحدة: بنيت جميعها فوق مجرى بوسكورة.
المنطقة الصناعية ليساسفة: حيث غمرتها الفيضانات سنة 1996.
سيناريو بديل: ماذا لو بقي الوادي مفتوحاً؟
لو لم يتم تغطية بوسكورة، لما وُجدت «طريق بوسكورة» بالشكل الحالي. ولكانت أحياء عين الشق وسيدي معروف ضفافاً مفتوحة بدل كتل إسمنتية.
وبدل تخصيص 855 مليون درهم لإنجاز قناة بطول 9.5 كلم، ربما كانت الدار البيضاء تتوفر اليوم على كورنيش نهري على غرار نهر السين بباريس.
لكن المدينة اختارت حل التغطية، فدُفنت معه ذاكرة مائية، وخطر طبيعي، وتلوث يتراكم اليوم تحت أرض “كازا نير شور”.