بعد فضيحة الفحص الطبي… عمال النظافة بخريبكة يواجهون لهيبَ الصيف بـ«حياة الماعز»

أشرف لكنيزي (صحفي متدرب)
أزيد من شهرٍ على دخول فصل الصيف، والحرارةُ تلامس 43 درجة بالإقليم وفق نشرات الأرصاد الرسمية، والعمال ما زالوا — إلى حدود الساعة — ينتظرون «بذلات الصيف». فبأيّ لباسٍ يواجه عاملُ النظافة هذا الجحيم..؟ وأين التزامُ المشغّل بحماية «سلامة الأجراء وصحتهم وكرامتهم» الذي تفرضه المادة 24 من مدونة الشغل..؟
لم يكد ملفُّ الفحوصات الطبية لعاملات وعمال النظافة بخريبكة يُغادر دائرة التساؤل، حتى انفجرت في وجه المعنيين فضيحةٌ أخرى، أكثر بداهةً وأشدّ إيلاماً: فبعد أزيد من شهرٍ على دخول فصل الصيف رسمياً، ما زال عددٌ من عمال النظافة يزاولون مهامهم الشاقّة تحت شمسٍ حارقة دون أن يتوصّلوا ببذلات الصيف التي يُفترض أن تقيهم لظى الحرارة وتصون الحدَّ الأدنى من كرامتهم في العمل.
المفارقةُ المُرّة أن هذا الوضع يتزامن مع موجة حرٍّ استثنائية وثّقتها المديرية العامة للأرصاد الجوية في نشراتٍ إنذارية من مستوى «اليقظة البرتقالية»، أدرجت إقليمَ خريبكة ضمن المناطق التي تراوحت فيها الحرارةُ بين 40 و43 درجة مئوية. بل إن يوم السادس من يوليوز — وهو ذاته اليومُ الذي اختارت فيه الشركة إصدارَ بلاغٍ «يُطمئن» العمال على صحتهم — شهد تجاوزَ أربع عشرة مدينة مغربية عتبةَ الأربعين درجة، بارتفاعٍ عن المعدلات المعتادة لشهر يوليوز وصل في بعض المحطات إلى ما بين خمس وثلاث عشرة درجة. أيُّ سخريةٍ أبلغُ من أن يُطمأَن العاملُ على رئتيه على ورق، فيما يُترَك جسدُه يحترق في الميدان..؟
عاملٌ تحت 43 درجة… ببذلةٍ باليةٍ أو لباسِ الشتاء
تخيّلوا المشهد: رجلٌ أو امرأةٌ يجرّ حاويةً ثقيلة، أو يكنس شارعاً مكشوفاً، أو يتشبّث بمؤخّرة شاحنةِ نفاياتٍ في وهج الظهيرة، بينما الإسفلتُ يغلي تحت قدميه والهواءُ لهبٌ يلفح الوجه. ثم تخيّلوه يفعل ذلك ببذلةٍ باليةٍ تآكلت من طول الاستعمال، أو بلباسِ شتاءٍ ثقيلٍ يحبس الحرارة في الجسد ويضاعف خطرَ الإنهاك. هذا ليس مشهداً متخيَّلاً، بل واقعٌ يومي لفئةٍ تُنظِّف المدينة للناس، ولا تجد من يُنظّف لها ظروفَ اشتغالها من الإهمال.
إن السؤال الذي يطرحه العمال أنفسهم لم يعد سؤالاً عابراً: أليست هذه «حياةَ الماعز»..؟ ذلك التعبيرُ الذي صار في المخيال العام عنواناً على وجودٍ يُسلَب فيه الإنسانُ كرامتَه فيُعامَل كبهيمةٍ تُساق إلى الشقاء بلا حساب. وحين يبلغ الاستهتارُ بظروف العمل حدَّ ترك بشرٍ يواجهون درجاتٍ تقارب حرارةَ الفرن دون أدنى تجهيزٍ واقٍ، فإن الاستعارةَ تكفّ عن كونها مجازاً وتصير توصيفاً.
ماذا يقول القانون..؟ «الكرامة» ليست تفصيلاً هنا يتوجّب استحضارُ النصّ، لا الاكتفاء بالانفعال. فمدونة الشغل لم تجعل صحةَ الأجير وسلامتَه وكرامتَه منّةً من المشغّل، بل التزاماً قانونياً صريحاً: المادة 24 تنصّ، بعباراتٍ لا تحتمل التأويل، على أنه «يجب على المشغّل، بصفة عامة، أن يتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية سلامة الأجراء وصحتهم، وكرامتهم، لدى قيامهم بالأشغال التي ينجزونها تحت إمرته». فالكرامةُ هنا حقٌّ منصوصٌ عليه في صلب القانون، لا شعارٌ أخلاقي؛ وتركُ العامل بلا لباسِ عملٍ ملائمٍ في عزّ موجة حرٍّ مسٌّ مباشرٌ بهذا الحق.
فيما المادة 281 تُحمّل المشغّل مسؤوليةَ توفير شروط الوقاية الصحية والسلامة اللازمة للحفاظ على صحة الأجراء، وتذكر من بينها التهويةَ وتلطيفَ الأجواء والماءَ الشروب. وإذا كان روحُ النصّ هو حمايةُ الأجير من قسوة المحيط، فكيف يُقبَل أن يُترَك دون أوّل درجات الوقاية: لباسٌ يناسب الفصل..؟
والأهمُّ أن مقتضيات الصحة والسلامة في المدونة تُلزم المشغّل بأن يوفّر ويَصون لفائدة الأجراء الملابسَ والمعدات الملائمة للوقاية من المخاطر، ومنها صراحةً الحرارةُ والبردُ والرطوبة. فبذلةُ الصيف ليست «امتيازاً» يُمنّ به على العامل، بل وسيلةَ وقايةٍ يفرضها القانون. وعدمُ التقيّد بمقتضيات حفظ الصحة والسلامة يُعرّض المخالفَ لغراماتٍ ماليةٍ تصل، بحسب المادة المخالَفة، إلى ما بين 10.000 و20.000 درهم، فضلاً عن سلطة مفتش الشغل في توجيه الإنذار ومباشرة المتابعة القضائية عند الاستمرار في المخالفة.
«غير منصوص عليه في دفتر التحملات»… ذريعةٌ لن تصمد هذه المرة .. قد يُغري الجوابُ الذي سبق أن اعتُمد في ملف فحوصات البصر — «غير منصوص عليه ضمن دفتر التحملات» — باستنساخه هنا. غير أن هذه الذريعة تسقط من أساسها لسببين: أولاً، لأن تزويدَ العمال ببذلاتِ عملٍ صيفيةٍ وشتوية من الالتزامات الجاري بها العملُ في عقود تفويض تدبير النظافة، وليس ترفاً تعاقدياً. وثانياً — وهو الأهم — لأن الالتزام العام بحماية صحة الأجير وسلامته وكرامته المنصوص عليه في المادتين 24 و281 يعلو فوق أيّ دفتر تحملات؛ فلا يجوز لأيّ بندٍ، أو صمتِ بندٍ، أن يُعفي المشغّل من واجبٍ فرضه القانون. ودفترُ التحملات، إن خلا من ذلك، يكون هو ذاته موضعَ مساءلةٍ حول من صاغه ومن يراقب تنفيذه.
والمسؤوليةُ هنا لا تتوقف عند الشركة المفوَّض لها وحدها؛ فمجموعةُ الجماعات الترابية صاحبةُ التفويض مُطالَبةٌ بدورها بالمراقبة والتتبّع، ما دامت هي من يخصّص لهذا القطاع اعتماداتٍ ماليةً ضخمة عرفت ارتفاعاً متواصلاً. فإلى أين تذهب هذه الملايين إن كان العاملُ الذي يُفترض أنه في صلبها لا يجد بذلةً تقيه الشمس..؟
ليست المسألةُ مسألةَ راحةٍ أو مظهر. فالاشتغالُ البدنيُّ الشاقُّ تحت حرارةٍ تفوق الأربعين، بلباسٍ غير ملائم، يفتح البابَ أمام مخاطر صحيةٍ حقيقية: الجفاف، والإنهاك الحراري، وضرباتِ الشمس التي قد تُودي بالحياة، فضلاً عن الإرهاق الذي يرفع احتمالَ حوادث الشغل. والسلطاتُ نفسها دعت المواطنين إلى تفادي التعرّض المباشر للشمس في أوقات الذروة والإكثار من شرب الماء وتوخّي الحذر مع الفئات الهشّة — فكيف بفئةٍ مُلزَمةٍ بالعمل في الشمس ذاتها، في تلك الساعات ذاتها..؟
والمفارقةُ أن الأمر يتعلق بالفئة نفسها التي دار حول رئتيها ملفُّ فحوصات الأشعة الصدرية قبل أسابيع. فبدل أن تُترجَم «الطمأنة» الورقية إلى حمايةٍ فعلية في الميدان، يُضاف عبءُ الحرّ إلى عبء الغبار، ويُراكَم خطرٌ على خطر.
أسئلةٌ لا تقبل التأجيل: لماذا لم تُسلَّم بذلاتُ الصيف إلى حدود الآن، وقد دخل الصيفُ منذ أزيد من شهر واشتدّت موجاتُ الحر..؟ ومن يتحمّل المسؤولية القانونية عن تعريض العمال لمخاطر الحرّ دون تجهيزٍ واقٍ: الشركةُ المفوَّض لها، أم الجهةُ المفوِّضة، أم كلاهما..؟ وأين مفتشيةُ الشغل من هذا الوضع، وهي المخوَّلة قانوناً بمعاينة المخالفات وإنذار المخالف ومتابعته..؟ وهل يُعقَل أن تُصرَف اعتماداتٌ متزايدةٌ على القطاع، فيما أبسطُ حقوق العامل — لباسٌ يقيه الموت حرّاً — يظل معلَّقاً..؟
إن كرامةَ عاملة النظافة وعاملها ليست منّةً تُنتظَر، بل حقٌّ يفرضه القانون ويحرسه الضميرُ العام. وتجدّد جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية التزامها بتتبّع هذا الملف حتى نهايته، في إطار حق العامل والمواطن في المعلومة واحتراماً لمبدأ الرأي والرأي الآخر، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام الشركة والجهات المعنية لتقديم توضيحاتها أو معطياتها. فالسؤالُ الذي يطرحه العمالُ اليوم، ونطرحه معهم، بسيطٌ في صياغته ثقيلٌ في دلالته: إلى متى يُطلَب من إنسانٍ أن يعمل… و«يحيا حياةَ الماعز»..؟
جهات
بومية.. خطوة جديدة نحو مدينة أجمل وأكثر إشراقًا
بومية: حسن أيت يوسف انطلقت صباح اليوم بمدينة بومية أشغال إعادة تهيئة وتأهيل المساحات الخضراء بساحة ألمو، في خطوة نأمل أن تشكل بداية لمسار متواصل للارتقاء بجمالية المدينة وتحسين جودة...
انطلاق المهرجان الوطني لـ “تابرغازيت” بأغبالو أسردان احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي
كنز نيوز: أغبالو أسردان تنظم الجمعية الحسنية بشراكة مع وزارة الثقافة و الشباب والتواصل – قطاع الثقافة، خلال هذه الأيام فعاليات المهرجان الوطني تابرغازيت بمنطقة أغبالو أسردان وذلك احتفاءً بذكرى...
أنزا بلا «جيت سكي».. سعيد أمزازي يضع سلامة المصطافين فوق كل اعتبار
عصام أمكار في شاطئ ضيق لا يحتمل مزيدًا من الضغط، اختار والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان سعيد أمزازي، أن ينحاز بوضوح إلى ما ينبغي أن يكون أولوية...
سعيد ولد الحوات يختتم موسم مولاي عبد الله أمام حضور قياسي بلغ 380 ألف متفرج
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي اختتمت فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، مساء أمس، في أجواء احتفالية استثنائية، بلغت ذروتها خلال السهرة الفنية الختامية التي أحياها الفنان الشعبي سعيد...
معرض التعاونيات المحلية بموسم مولاي عبد الله أمغار.. رواج اقتصادي وتضامني للمنتوجات المجالية
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي شكل معرض التعاونيات المحلية، الذي نظم على هامش موسم مولاي عبد الله أمغار، فضاء اقتصاديا وترويجيا للتعريف بمختلف المنتوجات التقليدية والمجالية، وإبراز ما تزخر...











