جمال كريمي بنشقرون: “استعادة ثقة المغاربة تبدأ بتجديد النخب… والسياسة ليست طريقاً للاغتناء بل لخدمة الوطن”

11:00

دردشة مع ياسمين الحاج

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تتجه أنظار المغاربة إلى محطة سياسية مفصلية تُعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الممارسة السياسية، وتجديد النخب، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة. وبين رهانات التنمية، وتحديات المشاركة السياسية، وتطلعات الشباب والنساء، يظل الحوار الجاد أحد أهم السبل لإثراء النقاش العمومي وتعزيز الوعي الديمقراطي.

وفي هذا الإطار، تواصل الإعلامية ياسمين الحاج استضافة شخصيات سياسية وفكرية وإعلامية بارزة ضمن برنامج “دردشة مع ياسمين الحاج”، لفتح نقاش مسؤول حول القضايا الوطنية الكبرى، واستشراف آفاق المرحلة المقبلة.

ضيف هذه الحلقة هو الأستاذ جمال كريمي بنشقرون، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، الذي يتحدث عن مساره السياسي، ورؤيته للمشهد الحزبي، وتقييمه لأداء المؤسسة التشريعية، وأولويات المرحلة المقبلة.

بدايةً، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج”. حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام؟

جمال كريم بنشقرون هو من مواليد مدينة سطات سنة 1978.

مساري النضالي بدأ منذ الصغر، من القطاع التلاميذي وأنا في سن الرابعة عشرة، ثم مررت بجميع هياكل الحزب، من القطاع الطلابي إلى التنظيمات السياسية للحزب، مروراً بالفرع المحلي والفرع الإقليمي، ثم المؤسسات الديمقراطية المنتخبة، إضافة إلى عضويتي في اللجنة المركزية، إلى جانب الانخراط في فضاءات المجتمع المدني والتعليم والإعلام، في مسار ظل مواكباً للعمل السياسي.

تلقيت تعليمي الابتدائي والإعدادي والثانوي، وجزءاً من دراستي الجامعية بمدينة سطات، قبل أن أستكمل الدراسات العليا بمدينة مراكش، حيث حصلت على دبلوم الدراسات العليا المعمقة، ثم تابعت سلك الدكتوراه.

بعد ذلك التحقت مهنياً بمدينة الرشيدية، حيث اشتغلت متصرفاً للإدارة المركزية بجامعة مولاي إسماعيل، بالكلية متعددة التخصصات، كرئيس لمصلحة الشؤون الطلابية، وكان ذلك امتداداً لمساري السياسي، بحكم قرب هذا العمل من قضايا الشباب والطلبة.

تحملت مسؤولية عضوية المكتب الوطني للشبيبة الاشتراكية، بعدما كنت عضواً في اللجنة الوطنية لطلبة حزب التقدم والاشتراكية لسنوات، ثم انتخبت سنة 2015 كاتباً عاماً وطنياً لمنظمة الشبيبة الاشتراكية.

بعد انتقالي إلى الرباط، اشتغلت بالمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، قبل أن ألتحق مستشاراً بديوان وزير السكنى وسياسة المدينة، الرفيق محمد نبيل بنعبد الله. وبعد ثلاث سنوات من العمل بديوان الوزير، انتخبت نائباً برلمانياً عن حزب التقدم والاشتراكية ضمن اللائحة الوطنية للشباب سنة 2016.

واليوم أشتغل إطاراً بالتعليم العالي، ملحقاً بوزارة الاقتصاد والمالية، وأتحمل مسؤولية عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب ارتباطي بتنظيمات الحزب بمدينة سلا، وانخراطي في عدد من هيئات المجتمع المدني والفضاءات الحوارية، بما يجعل العمل السياسي مندمجاً مع مختلف فضاءات المجتمع.

كيف تقرؤون المشهد السياسي المغربي اليوم، وما الرسائل التي تودون توجيهها للمغاربة مع اقتراب الانتخابات التشريعية؟

نعم، فعلاً، المشهد السياسي المغربي اليوم فيه تمفصلات عديدة، وفيه تعقيدات كثيرة، سواء من خلال واقع الأحزاب السياسية، أو واقع المنتخبين أنفسهم، أو من خلال تقييم التجارب السابقة.

إذا كانت هناك رسالة أساسية اليوم، فهي أن صعوبات العيش التي يعيشها الجميع تستوجب وقفة حقيقية، ويجب أن يكون هناك تصويت عقابي لهذه الحكومة، كما ينبغي الدفع نحو وجوه جديدة، رغم قلتها، ونخب قادرة على النضال والاستجابة لتطلعات المواطنات والمواطنين.

هذه النخب موجودة، لكنها للأسف لا تجد دائماً التشجيع الكافي لكي تكون حاضرة في معادلة الانتخابات، أو تُمنح المكانة التي تستحقها داخل الأحزاب واللوائح الانتخابية، وهذا هو مطلبنا الأساسي.

صحيح أن الواقع يبين وجود صعوبات كبيرة، لكن الإرادة الصلبة للتغيير لا تتحقق إلا بسواعد الجميع وبقوة الجميع. ونحن نؤمن بأن النخب الجديدة المعول عليها موجودة بالفعل.

وقد اجتهد حزب التقدم والاشتراكية في تقديم عدد كبير من الكفاءات التي سترونها خلال الانتخابات المقبلة، من خلال ترشيح كفاءات نسائية وشبابية ورجالية، نعتقد أنها في مستوى تطلعات المواطنات والمواطنين.

كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟

في الواقع، تقييم المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية يجعلنا نقول إن هناك تراجعاً كبيراً على مستوى البرلمان.

وأقول هذا انطلاقاً من تجربة شخصية، باعتباري كنت نائباً برلمانياً خلال الولاية السابقة، وأعرف جيداً طبيعة العمل البرلماني، الذي ليس عملاً سهلاً، بل يتطلب تضحيات كبيرة، واجتهاداً دائماً، وحضوراً قوياً، وتكويناً مستمراً، ومواكبة دقيقة للعملية التشريعية، والعمل الرقابي، وتقييم السياسات العمومية، والدبلوماسية البرلمانية.

للأسف، نلاحظ اليوم تراجعاً مقلقاً، ويرجع ذلك بالأساس إلى نوعية الوجوه التي يتم ترشيحها، وهي مسؤولية مشتركة تتحملها الأحزاب السياسية، كما يتحملها المجتمع، ويتحملها المواطن من خلال اختياراته، كما تتحملها النخب التي تعزف عن ولوج العمل السياسي.

ورغم أن المؤسسة التشريعية لها أدوار دستورية مهمة، فإنها تبدو اليوم محدودة بسبب طبيعة التموقعات السياسية، حيث أصبحت الأغلبية البرلمانية في كثير من الأحيان منسجمة بشكل كامل مع الحكومة، إلى درجة يغيب معها الدور الرقابي الحقيقي.

النائب البرلماني من حقه أن يدعم الحكومة التي ينتمي إليها، لكن واجبه الأول هو تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم، والبحث عن الحلول لمشاكلهم، وأن يكون صوت الشعب داخل المؤسسة التشريعية.

لكن ما نلاحظه اليوم هو نوع من التماهي الذي أدى إلى تراجع هذه الأدوار، وأصبحت المعارضة تتحمل وحدها عبء الرقابة، وهو وضع غير صحي بالنسبة لأي ممارسة ديمقراطية.

نتمنى أن تفرز الانتخابات المقبلة برلماناً أكثر قوة، وحكومة أكثر كفاءة، ومجتمعاً أكثر مشاركة، حتى تصبح مؤسسات بلادنا أكثر قوة ومتانة في مسارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

في رأيكم، ما الأولويات التي ينبغي أن يركز عليها البرلمان المقبل حتى يكون أكثر فاعلية في خدمة المواطنين وتعزيز البناء الديمقراطي؟

من أولويات العمل البرلماني أن تكون لدينا مؤسسة تشريعية تبحث عن سن قوانين قوية، منبثقة من واقع المجتمع، وقابلة للتطبيق، وقادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، لا أن نُشرِّع قوانين غير صالحة أو غير قادرة على معالجة الإشكالات المطروحة.

ثم إن من الأولويات أيضاً أن يكون لدينا برلمان قوي يمارس دوره الرقابي على الحكومة حتى تقوم بأدوارها وأعمالها كما ينبغي. فعندما يصوت البرلمان على البرنامج الحكومي، فإن هذا البرنامج يشكل تعاقداً سياسياً بين الحكومة والبرلمان، وبالتالي يجب أن يكون البرلمان هو المراقب الأول لتنزيل هذا البرنامج.

كما أن المبادرات الرقابية المنصوص عليها دستورياً، سواء في مجلس النواب أو مجلس المستشارين، يجب أن تتجسد على أرض الواقع، وأن يتم تفعيلها بالشكل الذي يجعل المؤسسة التشريعية تقوم بأدوارها كاملة.

ومن الأولويات كذلك الدفاع عن بلادنا وقضاياها الوطنية من خلال دبلوماسية برلمانية قوية، يقودها رجال ونساء في مستوى الحدث، قادرون على تمثيل المغرب والدفاع عن مصالحه في مختلف المحافل الدولية.

وهذا كله ينبغي أن يكون الهدف الأساسي من وراء الانتخابات، لذلك يجب على المواطنين أن يدركوا أن اختياراتهم الانتخابية ينبغي أن تتجه نحو الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية، لأن الدستور ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والمسؤولية تبدأ بحسن الاختيار، ثم تأتي المحاسبة في نهاية المطاف.

كيف يمكن استعادة ثقة المواطنين في العمل السياسي، والحد من حالة العزوف التي أصبحت تؤرق مختلف الفاعلين؟

استعادة الثقة في العمل السياسي مردها إلى عدة آليات.

أولاً: التواصل المباشر مع المواطنين. يجب أن نعزز أوراش التواصل، وأن نمكن مؤسسات التكوين الأساسية، خاصة المدرسة العمومية، والجامعة، ومؤسسات التكوين المهني، وكل فضاءات المجتمع المدني، من القيام بأدوارها في تنمية الوعي السياسي لدى الشباب.

إلى جانب ذلك، لا يمكن الحديث عن الثقة دون رخاء اجتماعي واقتصادي. فالواقع الحالي يتسم بارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب آفاق واضحة للشغل والاستقرار، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المواطنين في العمل السياسي.

لذلك فإن البعدين الذاتي والموضوعي يشكلان وجهين لعملة واحدة، ويتطلبان تدبيراً مسؤولاً بعيداً عن خطاب العدمية.

كما أن التواصل يجب ألا يكون تواصلاً فوقياً فقط، بل ينبغي أن يكون أفقياً وعمودياً، قائماً على الإنصات الحقيقي للمواطنين، والاستماع إليهم، وتسجيل مطالبهم، والعمل على تنفيذ ما يمكن تنفيذه.

ومن أهم أسباب فقدان الثقة أيضاً أن البرامج الانتخابية كثيراً ما تكون غير واقعية، أو تتضمن وعوداً لا يتم تنفيذها، وهذا يكرس العزوف ويضعف صورة الفاعل السياسي.

لذلك، يجب أن تكون البرامج الانتخابية قابلة للتطبيق، وأن يتحلى الفاعل السياسي بالصدق مع المواطنين، لأن الثقة لا تُبنى إلا بالمصداقية والوفاء بالالتزامات.

كيف تنظرون إلى واقع المشاركة السياسية للمرأة المغربية؟ وهل تعتقدون أن حضورها الحالي يعكس مكانتها داخل المجتمع؟

المرأة هي نصف المجتمع، ورغم وجود بعض الآليات المساعدة للمشاركة السياسية، فإن المجتمع المغربي ما يزال، للأسف، مجتمعاً تغلب عليه الذهنية الذكورية.

ونحن نؤمن بأن المساواة يجب أن تؤسس قانونياً، وأن تُدعم بآليات واضحة وفعالة. وحزب التقدم والاشتراكية كان دائماً من المدافعين عن المساواة وتعزيز حقوق النساء، وجعل من هذا المبدأ جزءاً من هويته السياسية منذ سنوات طويلة.

لكننا لا نريد أن تكون مشاركة المرأة مجرد امتياز أو منحة، بل يجب أن تأخذ مكانتها عن استحقاق، كما يجب على المرأة نفسها أن تنخرط بقوة في العمل السياسي، وأن تفرض حضورها داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة، لأن العمل السياسي بطبيعته يقوم على التنافس المشروع.

صحيح أن هناك تطوراً في الحضور النسائي، لكن النقاش اليوم ينبغي أن يركز أيضاً على الجودة والكفاءة، وليس فقط على الأرقام.

ينبغي أن نختار أفضل الكفاءات النسائية، وأن نواصل تطوير الآليات القانونية التي تضمن حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة.

في حزب التقدم والاشتراكية، استطعنا أن نضع سبع نساء على رأس لوائح محلية بمختلف جهات المملكة، إضافة إلى وكيلات اللوائح الجهوية، وهو مؤشر على إيماننا الحقيقي بقدرات المرأة.

ورغم ذلك، فإن هذا الحضور ما يزال غير كافٍ، وقد تقدمنا بعدة مقترحات لتعديل القوانين الانتخابية بهدف تعزيز تمثيلية النساء، لكنها لم تحظ بقبول الأغلبية البرلمانية.

كما أن مكانة المرأة السياسية ترتبط أيضاً بوضعها الاقتصادي والاجتماعي والأسري، لذلك فإن تعزيز حضورها في التعليم، والتكوين، وسوق الشغل، ومؤسسات التنشئة، سيؤدي تلقائياً إلى تعزيز حضورها السياسي وتموقعها داخل مراكز القرار.

الشباب يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع المغربي، لكنهم أيضاً الفئة الأكثر عزوفاً عن المشاركة السياسية. ما الرسالة التي تودون توجيهها إليهم؟

رسالتي إلى الشباب أنهم ثروة ديموغرافية هائلة نحسد عليها، وهم مستقبل هذا الوطن، ومن لا شباب له لا مستقبل له، سواء كانت أسرة أو حزباً أو تنظيماً. فالشباب هو وقود النضال المجتمعي، وهو صوت التمرد الإيجابي والتغيير، وهو الذي يحمل همّ الإصلاح وصناعة المستقبل.

أقول لهم: ثقوا بأن هناك أحزاباً ديمقراطية، ونخباً قادرة على احتضان همومكم، وأن تكون إلى جانبكم. وأدعوكم إلى الترشح والانخراط في الأحزاب السياسية، وحزب التقدم والاشتراكية يفتح أبوابه أمام الشباب من أجل التموقع والمشاركة الفعلية.

فالانتخابات ليست مجرد تصويت، بل هي أيضاً ترشيح ومساهمة في صناعة القرار.

وحزب التقدم والاشتراكية، باعتباره من الأحزاب الوطنية المناضلة، يؤمن بالإقناع والاقتناع عبر الوسائل الديمقراطية والقانونية، ويعتبر أن أصوات المواطنين ثمينة، ويجب أن تُمنح لمن يستحقها، ولمن يحمل همّ التغيير والنضال الديمقراطي والسلمي والقانوني.

كما أدعو الشباب إلى الابتعاد عن كل أشكال الاستغلال والمتاجرة بالذمم وتضليل العمل السياسي، لأن هذه الممارسات تسيء إلى الديمقراطية وإلى مستقبل الوطن.

أعلم أن شبابنا يعيش اليوم التهميش، والحرمان، والفقر، وانسداد الأفق، لكنني أؤمن بأن النضال هو الطريق الحقيقي للتغيير، وأن الهروب إلى الأمام لا يصنع الحلول.

المواجهة الواعية، والعمل الجاد، والانخراط الإيجابي، هي الوسائل الأساسية لتحقيق الذات.

علينا أن نناضل من أجل مدرسة عمومية قوية، وجامعة مغربية قوية، ومجتمع متماسك، وأن ننشر الوعي داخل محيطنا، وأن نؤمن بأن هناك رجالاً ونساءً قادرين على مواكبتنا في مختلف مسارات النضال.

ولهذا أقول للشباب: لا تقولوا إن السياسة لها أهلها، وإن الانتخابات لها أصحابها، بل شاركوا بكثافة، لأن المشاركة هي السلاح الحقيقي لطرد الفساد والمفسدين، أما العزوف فلن يؤدي إلا إلى تسهيل وصولهم إلى مواقع القرار.

إلى أي حد تعتقدون أن البرامج الانتخابية تؤثر في اختيارات الناخب المغربي؟ وهل ما زالت قادرة على استعادة الثقة؟

البرامج الانتخابية مهمة جداً، وحزبنا، باعتباره حزباً وطنياً عريقاً، يؤمن بأن أساس العمل السياسي هو البرنامج.

ولذلك اشتغلنا لمدة سبعة أشهر على إعداد برنامج انتخابي متكامل، أنجزته أطر وكفاءات الحزب، وليس مكاتب دراسات أو خبراء من خارج التنظيم.

وسنعلن عنه في نهاية شهر غشت، ويتضمن أكثر من أربع عشرة دعامة أساسية للتغيير، مدعومة بالأرقام والمعطيات، وهو في الحقيقة مشروع برنامج حكومي متكامل.

ونقول للمواطنين: إذا منحونا ثقتهم ووصلنا إلى الحكومة، فسنلتزم بتنزيل هذا البرنامج على أرض الواقع.

وهذا هو الفرق بين الأحزاب التي تمتلك مشروعاً مجتمعياً واضحاً، وبين الأحزاب التي تدخل الانتخابات دون رؤية واضحة.

ومع ذلك، فإن البرنامج وحده قد لا يكون كافياً، لأن جزءاً كبيراً من الناخبين ما يزال يصوت على أساس الأشخاص أكثر من البرامج.

لكننا نتوجه خصوصاً إلى المسجلين الذين لا يشاركون في التصويت، لأنهم يمثلون نخبة المجتمع التي لا تُباع ولا تُشترى، من الشباب، والأطر، والكفاءات.

وسنعمل على تبسيط البرنامج للمواطنين عبر كبسولات إعلامية ووسائل تواصل مختلفة، حتى يكون قريباً من الجميع.

ونؤمن بأن البرنامج الواقعي سيساهم في محاربة العزوف، وتشجيع المشاركة السياسية، وتعزيز السلوك الانتخابي السليم.

وحزب التقدم والاشتراكية، الذي يتجاوز عمره ثمانين سنة، يمتلك رصيداً نضالياً وتاريخاً طويلاً من التجارب، ويؤمن بأن الأزمات دائماً تحمل في داخلها فرصاً للتغيير، وأن الإرادة الصلبة والعمل الجاد هما السبيل لتحقيق الإصلاح.

ما السبل الكفيلة بالحد من العزوف السياسي وتعزيز المشاركة الانتخابية؟

الحد من العزوف يبدأ أولاً بالتواصل والتكوين، وبوجود أحزاب قوية، وديمقراطية داخلية، وإيمان حقيقي بإصلاح الأوضاع، إلى جانب توفير الرخاء الاجتماعي والاقتصادي، ومنظومة تعليمية قوية، وعدالة اجتماعية، وتوزيع عادل للثروات.

فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية تبقى محدداً أساسياً في المشاركة السياسية.

كما أن العزوف في حد ذاته يجب أن يُقرأ باعتباره ناقوس إنذار لجميع الفاعلين، لأن المشاركة السياسية هي إحدى علامات تقدم الدول.

وعندما تتراجع المشاركة، فهذا يعني أن هناك خللاً ينبغي معالجته.

ومن الضروري أيضاً التصدي لكل الممارسات التي أفسدت العملية الانتخابية، مثل شراء الأصوات، والمتاجرة بالذمم، واستغلال الفقر والهشاشة، لأنها ساهمت بشكل كبير في فقدان الثقة.

كما أن المواطنين يتابعون أداء المنتخبين، وعندما لا يلمسون نتائج ملموسة، أو حتى تواصلاً صادقاً معهم، فإن ذلك يعمق الإحباط ويزيد من العزوف.

لكن، رغم كل ذلك، ما زال هناك أمل.

وأؤكد مرة أخرى أن التصدي للعزوف لا يكون فقط عبر التصويت، بل أيضاً عبر الترشح.

علينا أن نشجع الشباب والكفاءات على ولوج العمل السياسي، وأن نختار أفضل الطاقات الوطنية، لأن الانتخابات ليست محطة عابرة، بل هي مدرسة للتكوين، والتجربة، والتواصل، وبناء قيادات قادرة على خدمة الوطن في مختلف الاستحقاقات المقبلة.

في ظل ما تعرفه الساحة السياسية من نقاش حول تجديد النخب، ما الصفات التي ينبغي أن تتوفر في المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين؟

صفات المرشح الذي يجب أن يكون قوياً وحاضراً في المجتمع هي النزاهة، وحب النضال، ونكران الذات، والإيمان بأن السياسة ليست محطة للاغتناء أو الركوب على مصالح المواطنين. فهذا هو الأمر الذي أضر بالعملية السياسية وأفقد المواطنين الثقة في العمل السياسي.

لذلك، ينبغي للمواطنين أيضاً أن يبنوا اختياراتهم على تقييم حقيقي لمسار المرشحين، وأن ينظروا إلى تاريخهم النضالي، وليس فقط إلى حضورهم خلال فترة الانتخابات.

كما يجب تقييم من سبق لهم أن تحملوا المسؤولية: ماذا قدموا؟ وماذا أنجزوا؟ حتى تتم المقارنة الموضوعية بين المرشحين.

إن الكفاءة، والجدية، والاجتهاد، ونكران الذات، والانتماء إلى تنظيم سياسي قوي يقوم على التربية النضالية والأخلاقية، وحب الوطن والغيرة عليه، كلها عناصر أساسية ينبغي أن تحكم اختيار من سيمثل المواطنين داخل المؤسسة التشريعية.

وهذا هو المطلب الجماهيري الحقيقي، وهو الأساس الذي يجب أن يؤمن به كل المواطنات والمواطنين.

كيف تنظرون إلى دور الإعلام في مواكبة الاستحقاقات الانتخابية، وما المسؤولية التي يتحملها في ترسيخ الوعي الديمقراطي؟

قلت لك في البداية وأكررها: إن الإعلام يشكل سلطة رابعة، ويمكنه أن يقوم بأدوار كبيرة في فضح الفساد والمفسدين، وتصحيح الأوضاع، والدفاع عن الكفاءات، بعيداً عن سياسة الاحتواء التي نراها اليوم، وللأسف الشديد.

ورغم كل شيء، ما زالت هناك أصوات إعلامية نزيهة، وقوية، ومؤمنة بالتغيير، تؤدي رسالة وطنية كبيرة لا تنتظر مقابلاً، وتنتصر للوطن من خلال الدفاع عن الحقيقة وعن الكفاءات القادرة على خدمة البلاد.

ويمكن للإعلام أن يواكب الانتخابات بشكل قوي عبر:

تعزيز الوعي الديمقراطي.

محاربة الأخبار المضللة والشائعات المغرضة.

تشجيع ودعم الكفاءات الشابة والنسائية والأطر.

وبذلك تستعيد هذه الكفاءات ثقتها في إعلام نزيه، قوامه الاجتهاد، ومحاربة كل ما هو فاسد ومضر بمصلحة الوطن وبالعملية الانتخابية برمتها.

شهد المغرب خلال الفترة الأخيرة مشاهد مؤلمة لمحاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية. كيف تقرؤون هذه الظاهرة، وما الرسائل التي تحملها برأيكم؟

بداية، يجب أن نسجل بكل أسى وأسف ما حدث، فهو مشهد يبكي القلوب قبل أن تدمع له العيون، عندما ترى أفواجاً من شبابنا، وهم من خيرة ثروتنا الديمغرافية، إلى جانب نساء ورجال وأطفال في عمر الزهور، يتخذون قراراً جماعياً بالهجرة بهذه الطريقة، في وضح النهار، عبر سبتة المحتلة ومليلية المحتلة نحو إسبانيا، بحثاً عن حلم، أو عن أفق جديد.

العنوان المركزي لهذا الحدث الأليم هو انسداد الأفق. لقد عجزنا عن الاستجابة لطموحات شبابنا وشاباتنا في الاستقرار داخل وطنهم، والمساهمة في بنائه، وخوض معركة التغيير والإصلاح، لأن طريق النضال ليس سهلاً.

ما الذي أوصلنا إلى هذا المستوى من فقدان الثقة وغياب الرؤية؟ إنها مسؤولية جسيمة، لا تتحملها هذه الحكومة فقط، رغم أنها زادت الطين بلة وأثرت بشكل كبير على معيش المواطنين، بل هي أيضاً نتيجة تراكم سياسات عمومية امتدت عبر سنوات طويلة.

كما أن سرعة تداول المعلومات، وغياب خطاب سياسي مقنع، وضعف التواصل المباشر، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة.

وكان من المفروض أن يكون هناك تفاعل حكومي سريع ومسؤول مع هذا الحدث المؤلم، لأن الأمر تجاوز كل التوقعات، خاصة وأنه تزامن مع مناسبة وطنية ذات رمزية كبيرة، هي الاحتفال بعيد العرش المجيد.

كان المواطنون ينتظرون خطاباً واضحاً يطمئن الشباب، ويجيب عن تساؤلاتهم، لأن الهجرة ليست طريقاً مفروشاً بالورود، بل هي بدورها مليئة بالصعوبات والمعاناة.

إن ما نعيشه اليوم من بطالة، وارتفاع في نسب الفقر والهشاشة، وغياب فرص الشغل، وتراجع الأمل، كلها عوامل تدفع الشباب إلى البحث عن بدائل قد تكون محفوفة بالمخاطر.

ولهذا، فإن المطلوب هو سياسات عمومية حقيقية، تقوم على الاستثمار المنتج، ودعم الشباب، وتمكينهم من فرص الشغل، وتوزيع عادل للثروة، وتطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والارتقاء بالمدرسة العمومية، والجامعة المغربية، وضمان تكافؤ الفرص، حتى يشعر الشباب بأن لهم مستقبلاً داخل وطنهم.

ونحن اليوم، ونحن مقبلون على انتخابات 2026، نحتاج إلى انتخاب كفاءات حقيقية تحمل هم الوطن، وتشتغل بنكران ذات، وتعيد الأمل للمواطنين، لأن التغيير لن يتحقق إلا بإرادة جماعية، ومشاركة واسعة، وثقة متبادلة بين المجتمع ومؤسساته.

في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المغربي؟

أولاً، شكراً جزيلاً لكِ سيدة ياسمين، وأتمنى لكِ التوفيق في مساركِ الجمعوي والمهني، وأن تكون هذه الفضاءات الإعلامية مساعداً أساسياً في التغيير في بلادنا.

وأوجه رسالتي إلى الشباب المغربي بالقول: إن مستقبل هذا الوطن بين أيديكم، فلا تتركوا غيركم يقرر نيابة عنكم. انخرطوا في العمل السياسي والمدني، وشاركوا في النقاش العمومي، وآمنوا بأن التغيير لا يتحقق بالانسحاب أو بالعزوف، بل بالمشاركة، وبالوعي، وبالعمل الجاد.

كما أدعو جميع المواطنات والمواطنين إلى حسن الاختيار، وإلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى دعم الكفاءات الوطنية الصادقة، لأن مستقبل المغرب يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بخدمة الوطن قبل أي مصلحة أخرى.

وأجدد شكري لكم على هذه الاستضافة، وأتمنى أن تساهم مثل هذه الحوارات في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز الوعي الديمقراطي، وخدمة المصلحة العليا لبلادنا.

Promo
مجلة كنز المعرفة

«كنز المعرفة».. حيث تتحوّل إنجازات مدرستك إلى خبر من ذهب 

كنز نيوز  في خطوةٍ نوعيةٍ تُعزّز حضور الإعلام التربوي الهادف على ...

إعلان مميز

جهات

5:18

بومية.. خطوة جديدة نحو مدينة أجمل وأكثر إشراقًا

بومية:  حسن أيت يوسف انطلقت صباح اليوم بمدينة بومية أشغال إعادة تهيئة وتأهيل المساحات الخضراء بساحة ألمو، في خطوة نأمل أن تشكل بداية لمسار متواصل للارتقاء بجمالية المدينة وتحسين جودة...

News text

1:02

انطلاق المهرجان الوطني لـ “تابرغازيت” بأغبالو أسردان احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي

كنز نيوز: أغبالو أسردان تنظم الجمعية الحسنية بشراكة مع وزارة الثقافة و الشباب  والتواصل – قطاع الثقافة، خلال هذه الأيام فعاليات المهرجان الوطني تابرغازيت بمنطقة أغبالو أسردان وذلك احتفاءً بذكرى...

News text

12:25

أنزا بلا «جيت سكي».. سعيد أمزازي يضع سلامة المصطافين فوق كل اعتبار

عصام أمكار في شاطئ ضيق لا يحتمل مزيدًا من الضغط، اختار والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان سعيد أمزازي، أن ينحاز بوضوح إلى ما ينبغي أن يكون أولوية...

News text

12:11

سعيد ولد الحوات يختتم موسم مولاي عبد الله أمام حضور قياسي بلغ 380 ألف متفرج

مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي اختتمت فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، مساء أمس، في أجواء احتفالية استثنائية، بلغت ذروتها خلال السهرة الفنية الختامية التي أحياها الفنان الشعبي سعيد...

News text

3:24

معرض التعاونيات المحلية بموسم مولاي عبد الله أمغار.. رواج اقتصادي وتضامني للمنتوجات المجالية

مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي شكل معرض التعاونيات المحلية، الذي نظم على هامش موسم مولاي عبد الله أمغار، فضاء اقتصاديا وترويجيا للتعريف بمختلف المنتوجات التقليدية والمجالية، وإبراز ما تزخر...

News text
Promo
الرئيسية

«كنز المعرفة».. حيث تتحوّل إنجازات مدرستك إلى خبر من ذهب 

كنز نيوز  في خطوةٍ نوعيةٍ تُعزّز حضور الإعلام التربوي الهادف على صعيد الإقليم، تُعلن جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عن صدور العدد الأول من مجلتها التربوية «كنز المعرفة» في نسختيها الورقية...

إعلان مميز

كلام من ذهب

Author
أشرف لكنيزي
في مديح مدير الحملةِ الذي يُتقن كلَّ شيءٍ… إلا سدادَ ما عليه

أشرف لكنيزي يُنتِج كلُّ موسمٍ انتخابيٍّ أصنافَه، وفي مقدّمتها صنفٌ نادرُ الموهبة: مدير الحملة الذي يقدر على حشد الآلاف في ساحةٍ عامة، ويعجز عن مواجهة ثلاثةِ دائنين على باب مقهى....

Author
الشباب والسياسة: كيف يعيد الوعي الجديد بناء ثقة المواطنين بعيداً عن صفقات المقاعد..؟

✍️: الأستاذ يوسف فلات، المحامي والمرشح عن الحزب الديمقراطي الوطني بخريبكة إن الواقعة التي اثارت جدلا واسعا والتي تتعلق بتنازل أحد المنتخبين ليست مجرد حدث عابر، بل هي مؤشر يستوجب...

Author
أشرف لكنيزي
عشرة ملايين سنتيم ثمنًا للتنازل عن مقعدٍ منتخب.. في جذور أزمة الثقة بين الشباب المغربي والنخبة السياسية

✍️ أشرف لكنيزي على بُعد أسابيع من تشريعيات الثالث والعشرين من شتنبر، تعود ممارسات “شراء الذمم” إلى الواجهة، فيما يطرح العزوف المتصاعد سؤالًا عميقًا على جدوى الوساطة الحزبية وقدرتها على...

Author
الدولة بيروكي
المسؤول والمواطن: أين الوصول ..؟

✍️: الدولة بيروكي  في ظل الدعوات للهجرة إلى سبتة ومع اقتراب موعد الإنتخابات نعود من جديد في عرض هذا المقال على صحيفة كنز نيوز ، ويسعدني الإنضمام لها: لاتستطيع أن...