عشرة ملايين سنتيم ثمنًا للتنازل عن مقعدٍ منتخب.. في جذور أزمة الثقة بين الشباب المغربي والنخبة السياسية

✍️ أشرف لكنيزي
على بُعد أسابيع من تشريعيات الثالث والعشرين من شتنبر، تعود ممارسات “شراء الذمم” إلى الواجهة، فيما يطرح العزوف المتصاعد سؤالًا عميقًا على جدوى الوساطة الحزبية وقدرتها على استعادة ثقة جيلٍ أدار ظهره لصناديق الاقتراع..؟
حين يتنازل شابٌّ ترشّح باسم التغيير عن مقعده كمستشار جماعي مقابل عشرة ملايين سنتيم، فإن المشهد لا يختزل حكاية فردٍ باع قناعاته، بل يكثّف أزمةً بنيويةً تعيشها الحياة السياسية المغربية: أزمة ثقةٍ متآكلة بين المواطن، الشاب تحديدًا، وبين نخبةٍ باتت تُنظر إليها بوصفها باحثةً عن الريع لا خادمةً للشأن العام.
وتكتسب هذه الصورة دلالةً مضاعفةً وهي تُطلّ على البلاد قبيل الاستحقاقات التشريعية المقرّرة في الثالث والعشرين من شتنبر 2026، في لحظةٍ تتصاعد فيها مؤشرات العزوف، وتعود فيها ظاهرة شراء الأصوات إلى صدارة النقاش العمومي، فيما تُصرّ الأساليب التقليدية في الحملات على البقاء.
لا تنبع خطورة الواقعة من حجم المبلغ، بل من دلالته الرمزية، ومن كونها تُصدّق حدسًا شعبيًّا راسخًا: أن التمثيل السياسي تحوّل من أمانةٍ إلى صفقة، ومن التزامٍ ببرنامجٍ إلى مساومةٍ على منصب. وحين يرى الشاب أن من يُفترض فيه أن يجسّد الأمل قد ساوم عليه بثمنٍ بخس، يصير خطاب “شارِك لتُغيّر” بلا صدى، وتتحول الدعوة إلى المشاركة إلى عبءٍ أخلاقيٍّ يُلقى على المواطن وحده، بينما تُعفى منه النخبة التي أنتجت هذا العزوف.
تسند الأرقام هذا التشخيص. فحتى الانتخابات التشريعية لسنة 2021، التي بلغت فيها نسبة المشاركة 50.18 في المائة، وهي الأعلى منذ 2002، لم تُخفِ هشاشة المشهد؛ إذ استفادت تلك النسبة من تنظيم الاقتراعات الثلاثة — التشريعية والجماعية والجهوية — في يومٍ واحد، وهو ما ضخّم الإقبال المحلي. أما اليوم، ومع فصل الموعد التشريعي عن نظيره الجماعي في 2026، فتتعالى المخاوف داخل مؤسسات الدولة من تراجعٍ أكبر، خصوصًا في المدن الكبرى وفي صفوف الشباب، استحضارًا لسيناريو 2007 حين لم تتجاوز نسبة المشاركة 37 في المائة.
غير أن العزوف ليس معطًى حسابيًّا فحسب، بل هو حكمٌ صامتٌ على أدواتٍ لم تتغيّر.
فالماكينة الانتخابية التقليدية — القائمة على الأعيان والوجاهة والمال والولاءات القبلية والعائلية، وعلى الهدايا والولائم ووعود التشغيل — ما زالت تعمل رغم أن القانون المغربي يجرّم صراحةً شراء الأصوات وتقديم الامتيازات أو الوعود بالتوظيف مقابل التصويت. وليس اعتباطًا أن يتحول “شراء الذمم” إلى محور تحذيراتٍ حزبيةٍ مبكرة قبيل استحقاقات 2026؛ فقد دعا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران إلى ضبط استعمال الفضاءات العمومية ومنع الولائم والمظاهر المبالغ فيها التي قد تُستعمل غطاءً للتأثير غير المشروع، فيما حذّر الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين المواطنين من بيع أصواتهم مقابل إغراءاتٍ ظرفية؛ وهي مواقف تكشف أن النخبة نفسها تُقرّ بعمق الخلل.
وقد راهنت الدولة على المعالجة المالية والتقنية لتوسيع رقعة المشاركة. فقد خصّص قرارٌ لرئيس الحكومة، نُشر بالجريدة الرسمية، نحو 400 مليون درهم (40 مليار سنتيم) لتمويل الحملات الانتخابية للأحزاب، إضافةً إلى غلافٍ تكميليٍّ بقيمة 50 مليون درهم لدعم لوائح الترشيح التي يقودها شبابٌ دون سنّ الخامسة والثلاثين. لكن جوهر المشكلة يتجاوز حدود التمويل؛ إذ يواجه الشباب معضلاتٍ مرتبطةً ببنية الأحزاب ذاتها، وبآليات اختيار المرشحين وتوزيع المسؤوليات داخلها، بحيث يُستدعى الشباب في الغالب بوصفهم “حصةً” تزيينيةً لا فاعلين يملكون مشاريع وقرارًا.
هنا يكمن العطب الأعمق: شعورٌ متنامٍ بأن العملية الانتخابية “بلا معنى”، وأن الصوت المُدلى به لا يُترجَم إلى أثرٍ ملموسٍ في القرار العمومي ولا في تحسين الأحوال المعيشية. وهو شعورٌ لا ينتج انسحابًا من صناديق الاقتراع فحسب، بل يغذّي مناخًا من اليأس تُختزل فيه السياسة إلى مجرد موسمٍ للمقايضة، وقد يمتد أثره إلى نزيفٍ اجتماعيٍّ أوسع، من ضعف الانخراط المدني إلى تعاظم نزعات الهجرة لدى فئةٍ ترى أن أبواب التغيير من الداخل موصدة.
تبقى استعادة الثقة رهانًا لا تكفي فيه القوانين والزجر وحدها، ولا الحملات التحسيسية والإجراءات الإدارية. فالمعطيات المتراكمة تشير إلى أن تجديد “العرض الحزبي”، وإصلاح مسارات الوساطة السياسية، وفتح المجال أمام كفاءاتٍ شابةٍ فعلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، هي المدخل الحقيقي لإعادة المعنى إلى الفعل الانتخابي.
ويُنتظر أن يشكّل اقتراع الثالث والعشرين من شتنبر 2026 اختبارًا لقدرة الفاعل السياسي على تقديم أجوبةٍ تتجاوز المال والوعود؛ فإمّا أن تُقلَّص المسافة بين الخطاب والممارسة فتُستعاد ثقةٌ منهكة، وإمّا أن يتّسع الشرخ فيتعمّق العزوف وتترسّخ القطيعة بين جيلٍ بأكمله ونخبةٍ لم تعد تُقنعه.
جهات
بومية.. خطوة جديدة نحو مدينة أجمل وأكثر إشراقًا
بومية: حسن أيت يوسف انطلقت صباح اليوم بمدينة بومية أشغال إعادة تهيئة وتأهيل المساحات الخضراء بساحة ألمو، في خطوة نأمل أن تشكل بداية لمسار متواصل للارتقاء بجمالية المدينة وتحسين جودة...
انطلاق المهرجان الوطني لـ “تابرغازيت” بأغبالو أسردان احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي
كنز نيوز: أغبالو أسردان تنظم الجمعية الحسنية بشراكة مع وزارة الثقافة و الشباب والتواصل – قطاع الثقافة، خلال هذه الأيام فعاليات المهرجان الوطني تابرغازيت بمنطقة أغبالو أسردان وذلك احتفاءً بذكرى...
أنزا بلا «جيت سكي».. سعيد أمزازي يضع سلامة المصطافين فوق كل اعتبار
عصام أمكار في شاطئ ضيق لا يحتمل مزيدًا من الضغط، اختار والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان سعيد أمزازي، أن ينحاز بوضوح إلى ما ينبغي أن يكون أولوية...
سعيد ولد الحوات يختتم موسم مولاي عبد الله أمام حضور قياسي بلغ 380 ألف متفرج
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي اختتمت فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، مساء أمس، في أجواء احتفالية استثنائية، بلغت ذروتها خلال السهرة الفنية الختامية التي أحياها الفنان الشعبي سعيد...
معرض التعاونيات المحلية بموسم مولاي عبد الله أمغار.. رواج اقتصادي وتضامني للمنتوجات المجالية
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي شكل معرض التعاونيات المحلية، الذي نظم على هامش موسم مولاي عبد الله أمغار، فضاء اقتصاديا وترويجيا للتعريف بمختلف المنتوجات التقليدية والمجالية، وإبراز ما تزخر...











