10:24
الدارالبيضاء: بوشعيب هارة
في خطوة مؤشرة على خريف اجتماعي ساخن يلوح في الأفق، أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، إحدى أبرز المركزيات النقابية في المغرب، عن تنظيم مسيرة وطنية احتجاجية يوم الأحد 28 يونيو الجاري. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية لتسلط الضوء مجدداً على اتساع الفجوة بين التوجهات الحكومية ومطالب الشغيلة، في ظل سياق اقتصادي محلي ودولي يتسم بالتعقيد.
1. أزمة الثقة في “الحوار الاجتماعي”: مطالب الأجور مقابل إكراهات الميزانية
رغم جولات الحوار المتكررة بين الحكومة والمركزيات النقابية، يرى مراقبون أن الإعلان عن هذه المسيرة يمثل “إعلان فشل مؤقت” للمقاربة التوافقية الحالية. وتصطدم في هذا الملف رؤيتان متباينتان لإدارة الثروة والأجور؛ فبينما تصر الكونفدرالية على أن الحل الفوري للأزمة يكمن في إقرار زيادة عامة في الأجور والمعاشات، وإحداث إصلاح جوهري في منظومة الضريبة على الدخل لتخفيف العبء المالي عن الأجراء والمتقاعدين، ترتكز المقاربة الحكومية في المقابل على التوازنات الماكرواقتصادية الصارمة للميزانية العامة.
وتدفع الحكومة بأن أي زيادة غير مدروسة قد تدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات يصعب التحكم فيها، مبرزة في محطات سابقة حجم الكلفة المالية للإجراءات الاجتماعية المتخذة بالفعل، مثل دعم صندوق المقاصة واستدامة برامج الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية الشاملة التي تراها أساساً للاستقرار الاجتماعي.
2. معركة “لاسامير” وتحدي أسعار الوقود
لم يقتصر بيان النقابة على الملف المطلبي الكلاسيكي المرتبط بالأجور، بل غاص في عمق السياسة الطاقية للمملكة، منتقداً بشدة إسقاط مجلس المستشارين لمقترحين بقانون يتعلقان بـ تسقيف أسعار المحروقات وتأميم أصول شركة “لاسامير” (المصفاة الوحيدة لتكرير البترول المتوقفة في المغرب).
أبعاد ملف مصفاة “لاسامير”:
انتقل ملف “لاسامير” من نزاع تجاري وقضائي معقد في ردهات التحكيم الدولي، ليصبح في الأدبيات النقابية “قضية سيادة طاقية”. ترى النقابة أن إعادة تشغيل المصفاة يضمن مخزوناً استراتيجياً يحمي المستهلك المغربي من تقلبات الأسواق العالمية، بينما يرى تيار اقتصادي آخر أن إحياء المصفاة يتطلب كلفة استثمارية باهظة في ظل توجه عالمي نحو الطاقة النظيفة.
وتعتبر النقابة أن إسقاط هذين المقترحين يمثل “انحيازاً علنياً للوبيات المحروقات” على حساب جيب المواطن. وفي مقابل هذه الرؤية النقابية التي تطالب بالتدخل المباشر للدولة لتسقيف الأسعار وتأميم المصفاة، تلتزم المقاربة الحكومية بمبادئ السوق الحرة وتحرير الأسعار، معتمدة على آليات بديلة كتقديم دعم مالي مباشر ومؤقت لمهنيي قطاع النقل لضمان عدم انعكاس أسعار الوقود على تكلفة المواد الأساسية.
3. التضخم والقدرة الشرائية: الأرقام الرسمية مقابل الواقع المعيشي
يبرز التباين الواضح أيضاً في تقييم الوضع المعيشي؛ فبينما تشير التقارير الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى تباطؤ نسبي في مؤشرات التضخم واستقرار تدريجي في الأسواق مقارنة بالسنوات الماضية، تؤكد النقابة أن هذا الاستقرار الحسابي لا ينعكس على “القفة اليومية” للمواطن.
فالمواد الغذائية الأساسية والخدمات الحيوية لا تزال تسجل مستويات سعرية مرهقة لفئات واسعة من الأجراء ذوي الدخل المحدود والمتوسط، مما جعل النقابة ترى المناخ الاجتماعي محتقناً ومهدداً، معتبرة الإجراءات الحكومية الحالية “مسكنات غير كافية” أخفقت في بناء جدار حماية حقيقي للمستهلك ضد الهشاشة الاقتصادية.
4. ملف الحريات النقابية: مؤشر التوتر الحقوقي
اللافت في التصعيد الأخير هو إثارة النقابة لملف “تنامي التضييق على الحريات النقابية والمتابعات القضائية” بحق بعض نشطائها. إدراج هذا البند يعكس تحولاً بارزاً في طبيعة الخلاف، إذ لم يعد النزاع محصوراً في شقه المالي والاقتصادي المتعلق بالقدرة الشرائية، بل امتد ليتخذ أبعاداً حقوقية تمس آليات التفاوض والعمل الميداني، وهو ما ينذر بزيادة منسوب التوجس وتعميق أزمة الثقة بين الأطراف التفاوضية.
أفق محطة 28 يونيو: منعطف الاستعراض الميداني
تضع مسيرة 28 يونيو العلاقات “الحكومية-النقابية” أمام محك حقيقي واختبار صريح لموازين القوى. فالإعلان عن النزول إلى الشارع يعكس رغبة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في ممارسة أقصى درجات الضغط الميداني لدفع الجهاز التنفيذي إلى تقديم تنازلات ملموسة في جولات الحوار المقبلة. وفي المقابل، تراهن الحكومة على صمود برامجها الاجتماعية الشاملة كامتصاص طبيعي لهذا الاحتقان، مما يجعل من هذه المحطة الاحتجاجية مؤشراً حاسماً لتحديد ما إذا كان الحوار الاجتماعي يستطيع استعادة زخمه التوافقي، أم أن المشهد يتجه نحو مزيد من القطبية والتصعيد.