«الطمأنينة» قبل النتيجة: من يُخبر عاملَ النظافة بخريبكة بحالة رئتيه.. الإدارة أم طبيبُ الشغل..؟

8:02

أشرف لكنيزي (صحفي متدرب)

بعد أزيد من سبعة أشهر على الحملة الطبية، أودعت الشركة المكلفة بتدبير قطاع النظافة نتائجَ فحوصات الأشعة على الأمراض الصدرية في «الملفات الطبية»، وأصدرت رسالةً تُطمئن الأطر والعمال على صحتهم — قبل أن يتوصّل عددٌ منهم بنتائجهم الفردية. مقتضياتُ الطب المهني ومدونة الشغل تطرحان أسئلةً حارقة حول ترتيب الإجراءات، وحدود «السر المهني»، وصلاحية جهة التشغيل في إصدار «حكم» طبّي.

بعد سلسلة من التساؤلات التي طرحتها جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية على مدى الأسابيع الماضية بشأن مآل فحوصات عاملات وعمال النظافة بإقليم خريبكة، حسمت الشركة المفوَّض لها تدبير القطاع جزءاً من الغموض عبر إعلانٍ رسمي، مؤرخ في السادس من يوليوز 2026، وجّهته إلى «كافة أطرها ومستخدميها وعمال الجماعة المحلية الموضوعين رهن إشارتها».

وجاء في الإعلان أن نتائج الفحص بالأشعة على الأمراض الصدرية (RADIO PULMONAIRE) قد تمّ التوصل بها من طرف مصلحة طب الشغل، وأنها «توجد في الملفات الطبية وتخضع للسر المهني»، مع الإشارة إلى أن «بعض الحالات المرضية القليلة سيتم تتبعها بشكل منتظم»، والتأكيد على أن هذه الحالات «لا تشكل أي خطر على صحة العمال فهي حالات جد بسيطة»، ودعوة من يرغب في مزيد من التوضيحات إلى التواصل مع طبيب الشغل عبر مصالح الشركة.

إعلانٌ قد يبدو، للوهلة الأولى، خطوةً نحو رفع اللبس بعد طول انتظار. غير أن قراءته على ضوء القواعد المنظِّمة للطب المهني وأخلاقياته، وعلى ضوء مقتضيات مدونة الشغل، تُنتج أسئلةً أكثر مما تُغلق ملفات؛ أسئلةً تتجاوز حالة عمال خريبكة لتُلامس مبدأً في صميم علاقة الشغل: مَن صاحبُ الحقّ الأول في معرفة نتيجة فحصٍ طبّي؟ ومَن الجهةُ المؤهَّلة للحديث عن مضمونه..؟ أولاً: النتيجة في «الملف» قبل أن تصل إلى صاحبها.. أيّ ترتيبٍ هذا..؟

جوهرُ الإشكال قانونياً لا يكمن في أن النتائج «وُضعت في الملفات الطبية»؛ فذلك مسارٌ طبيعي. الإشكال في ترتيب الأولويات: هل تمّ تمكينُ كل أجيرٍ من الاطلاع على نتيجته الشخصية، وتلقّي الشرح الطبي المرتبط بها بصفةٍ فردية، قبل أن يُغلَق الموضوع برسالة طمأنةٍ جماعية؟ أم أن الملف صار وعاءً للحفظ، فيما اكتفى المعنيون برسالةٍ عامة عنوانها «لا داعي للقلق»؟

إن فلسفة المراقبة الطبية الدورية، كما تُقرّها مدونة الشغل التي تفرض في مادتها 327 إخضاع كل أجيرٍ لفحصٍ طبّي مرة في السنة على الأقل، لا تنتهي غايتها عند إجراء الفحص أو حفظ نتيجته، بل تكتمل حين يعرف الأجيرُ وضعيته الصحية بنفسه ويستفيد من التوجيه المناسب في الوقت المناسب. فالنتيجةُ الطبية ملكٌ لصاحبها أولاً؛ والملفُ الطبي أداةُ حفظٍ ومتابعة، لا بديلٌ عن حقّ العامل في أن يُخبَر — هو شخصياً — بما يجري في جسده.

وهنا يُطرح السؤال القانوني الذي يفرض نفسه: لماذا لم تُسلَّم النتائج للعمال قبل إيداعها في ملفاتهم..؟ وما الذي يمنع من أن يسبق الإخبارُ الفرديُّ الحفظَ الإداري..؟ إن جعلَ «الأرشفة» تسبق «الإخبار» يقلب منطق المراقبة الطبية رأساً على عقب، ويُحوّل حقاً أصيلاً للأجير إلى إجراءٍ إداري يتم في غيابه.

ثانياً: مَن يملك صلاحية «الطمأنة»..؟ الإدارة أم الطبيب..؟

الرسالةُ صادرةٌ عن «الإدارة»، وموقَّعةٌ باسمها. ومع ذلك فهي تحمل حكماً طبياً صريحاً: الحالات «لا تشكل أي خطر»، وهي «جد بسيطة». وهنا مكمن الحساسية.

لقد أحاطت مدونة الشغل طبيبَ الشغل بضماناتٍ خاصة تجعله يؤدي مهمته «بكل استقلالٍ وحرية، سواء إزاء المشغّل أو تجاه الأجراء»، ولا يخضع في تقديره العلمي إلا لاعتبارات مهنته (المادة 314). والحكمةُ من هذا الاستقلال بديهية: التقديرُ الطبي — بما فيه القولُ بأن حالةً ما «بسيطة» أو «بلا خطر» — اختصاصٌ حصري لأهل الطب، لا لجهةٍ إدارية.

فحين تتولّى الإدارة نفسها إصدارَ الطمأنة الطبية، تُطرح إشكاليتان: إشكاليةُ الاختصاص، إذ إن جهة التشغيل ليست الطرف المؤهَّل علمياً لتصنيف الحالات؛ وإشكاليةُ تضارب المواقع، لأن الجهة التي تُطمئن هي ذاتها الجهة التي قد تتحمّل، مستقبلاً، تبعاتٍ قانونية إن ثبت مرضٌ مهني. فأن يصدر الحكمُ بـ«انعدام الخطر» عن الطرف المعني بالمسؤولية، لا عن طبيبٍ مستقلٍّ يخاطب كلَّ مريضٍ على حدة، أمرٌ يُضعف قيمة هذه الطمأنة ويطرح سؤال مصداقيتها.

ثالثاً: مفارقة «السر المهني».. سيفٌ بوجهين

تستند الرسالة إلى أن النتائج «تخضع للسر المهني». وهذا صحيحٌ في مبدئه، لكنه يرتدّ على الاستدلال نفسه.

فالسرُّ المهني في الطب المهني وُضع أساساً لحماية الأجير، وهو يسري في مواجهة المشغّل لا في مواجهة العامل صاحب البيانات. والقاعدةُ المستقرّة في هذا الباب، انسجاماً مع معايير منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية، أن جهةَ التشغيل لا يحقّ لها الاطلاع على التفاصيل الطبية أو التشخيص، وإنما يقتصر حقُّها على معرفة الخلاصة المهنية النهائية: هل الأجيرُ لائقٌ للعمل، أم لائقٌ مع تحفظات، أم غير لائق — دون كشفٍ عن الحالة الصحية.

وهنا تنشأ المفارقة: كيف تصف الإدارةُ علناً مضمونَ ملفاتٍ تقول هي نفسها إنها خاضعةٌ للسر المهني..؟ فإما أنها اطّلعت على تفاصيل ما كان ينبغي لها الاطلاع عليها، فيُطرح سؤال احترام سرّية المعطيات الصحية للعمال؛ وإما أنها تُطلق وصفاً عاماً («قليلة»، «بسيطة»، «بلا خطر») دون أن يكون في وسعها أصلاً معرفةُ المضمون، فتفقد الطمأنةُ سندَها. وفي الحالتين، يبقى السؤالُ مشروعاً حول مَن الذي حرّر مضمونَ هذه الرسالة، وعلى أيّ أساسٍ طبّي.

رابعاً: التأخير الذي يُفرِغ الوقاية من معناها

بين تاريخ إجراء الفحوصات وتاريخ هذا الإعلان مرّت أزيد من سبعة أشهر — وقد سبق لهذه الجريدة أن نبّهت إلى الملف حين كان التأخيرُ في حدود خمسة أشهر. وهي مدةٌ يعتبرها متابعون للشأن الاجتماعي والمهني طويلةً قياساً بالآجال المعمول بها عادةً في إصدار مثل هذه النتائج.

الأخطرُ أن فلسفة الطب المهني تقوم على الكشف المبكر؛ فكلُّ شهرٍ يمرّ دون إخبار الأجير بنتيجته يُقلّص من القيمة الوقائية للعملية برمّتها. والأمرُ يزداد حساسيةً حين يتعلق بفحصٍ بالأشعة على الأمراض الصدرية لفئةٍ تشتغل يومياً في محيطٍ يكثر فيه الغبار، بإقليمٍ يقع في قلب المجال المنجمي الفوسفاطي. ففحصُ الأشعة الصدرية موجَّهٌ بالأساس لرصد ما قد لا تُظهره الأعراض مبكراً من إصاباتٍ رئوية؛ ومثلُ هذه النتائج تتطلّب قراءةً فرديةً دقيقة ومتابعةً في الوقت المناسب، لا خلاصةً جماعية.

خامساً: حين تصير «الطمأنة» تهويناً

يقودنا هذا إلى السؤال الأكثر إحراجاً: هل يمكن أن تتحوّل رسالةُ الطمأنة الجماعية، الصادرة عن الإدارة قبل أن يطّلع كلُّ عاملٍ على نتيجته وقبل أن يتلقّى شرحاً طبياً فردياً، إلى شكلٍ من تهوين معطياتٍ طبيعتُها لا تحتمل التعميم..؟

إن القولَ المسبق بأن الحالات «جد بسيطة» و«بلا خطر»، في وثيقةٍ إدارية عامة، ينطوي على مجازفةٍ مزدوجة: فهو من جهةٍ قد يُشعر عاملاً يحمل مؤشراً يستوجب المتابعة بأن لا داعي للانشغال، فيتأخّر عن العناية اللازمة؛ وهو من جهةٍ ثانية قد يرتدّ على الشركة نفسها. إذ لو ثبت مستقبلاً — لا قدّر الله — تطوُّرُ حالةٍ صدرية لدى أحد العمال، فإن وثيقةً رسمية سبق أن أعلنت أن «لا خطر» و«الحالات بسيطة» ستكون حجّةً عليها لا لها، بما تطرحه من سؤالٍ حول مدى جدّية التقييم والمتابعة.

سادساً: من الحدّ الأدنى التعاقدي إلى واجب العناية

لا ينفصل هذا النقاش عن جوابٍ سابق للشركة حين سُئلت عن مطلب سائقي شاحنات جمع النفايات الاستفادةَ من فحصٍ متخصص للبصر، فأجابت بأن هذا النوع من الفحوصات «غير منصوص عليه ضمن دفتر التحملات» وأنها غير ملزمةٍ به قانوناً في الوقت الراهن.

وهو جوابٌ قد يكون دقيقاً في حرفيّته الضيقة، لكنه يفتح بدوره نقاشاً مهنياً: فالاحتكامُ إلى الحدّ الأدنى التعاقدي شيء، والوفاءُ بالالتزام العام الملقى على المشغّل في توفير شروط الصحة والسلامة شيءٌ آخر. وحين تكون سلامةُ القيادة — وسلامةُ المرتفقين في الطريق العام معها — رهينةً بسلامة الرؤية، فإن السؤال ينتقل من «هل يُلزمنا الدفترُ؟» إلى «هل دفترُ التحملات نفسه كافٍ؟ ومَن المسؤول عن سدّ ثغراته؟».

أسئلةٌ تبقى مفتوحة في ضوء ما سبق، تظلّ جملةٌ من الأسئلة مطروحةً على الجهات المعنية، أطراف التدبير كما مصالح المراقبة: هل توصّل كلُّ عاملٍ بنتيجته الفردية وبشرحٍ طبّي مباشر، أم اكتُفي بالرسالة الجماعية..؟ على أيّ أساسٍ طبّي، ومن أيّ جهة، صدر الوصفُ بأن الحالات «بسيطة» و«بلا خطر»..؟ كيف يُوفَّق بين إعلان الإدارة عن مضمون النتائج وبين خضوعها المفترض للسر المهني ..؟ ما تفسيرُ استغراق العملية أزيد من سبعة أشهر، وأثرُ ذلك على الغاية الوقائية للحملة..؟

تجدّد جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية التزامها بتتبّع هذا الملف في إطار حقّ المواطن والعامل في المعلومة، واحتراماً لمبدأ الرأي والرأي الآخر، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام الشركة وباقي الأطراف لتقديم أيّ توضيحاتٍ أو معطياتٍ إضافية. فالغايةُ ليست إحراج جهةٍ بعينها، بل صونُ حقٍّ لا يقبل التأجيل: حقُّ عاملة النظافة وعاملها في أن يعرفا، أولاً وقبل كل أحد، ما تقوله نتائجُ فحوصاتهما.

Promo
مجلة كنز المعرفة

«كنز المعرفة».. حيث تتحوّل إنجازات مدرستك إلى خبر من ذهب 

كنز نيوز  في خطوةٍ نوعيةٍ تُعزّز حضور الإعلام التربوي الهادف على ...

إعلان مميز

جهات

4:21

كريمة بني عيش : مهرجان أصوات النساء فرصة لتوطيد العلاقات الدبلوماسية وتعزيز الخطابات السامية حول المرأة .

رشيد كداح تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، شهدت الدورة الرابعة عشرة من مهرجان أصوات نسائية، الذي أسسته وترأسته  السفيرة ” كريمة بني عيش “ ...

News text

5:18

بومية.. خطوة جديدة نحو مدينة أجمل وأكثر إشراقًا

بومية:  حسن أيت يوسف انطلقت صباح اليوم بمدينة بومية أشغال إعادة تهيئة وتأهيل المساحات الخضراء بساحة ألمو، في خطوة نأمل أن تشكل بداية لمسار متواصل للارتقاء بجمالية المدينة وتحسين جودة...

News text

1:02

انطلاق المهرجان الوطني لـ “تابرغازيت” بأغبالو أسردان احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي

كنز نيوز: أغبالو أسردان تنظم الجمعية الحسنية بشراكة مع وزارة الثقافة و الشباب  والتواصل – قطاع الثقافة، خلال هذه الأيام فعاليات المهرجان الوطني تابرغازيت بمنطقة أغبالو أسردان وذلك احتفاءً بذكرى...

News text

12:25

أنزا بلا «جيت سكي».. سعيد أمزازي يضع سلامة المصطافين فوق كل اعتبار

عصام أمكار في شاطئ ضيق لا يحتمل مزيدًا من الضغط، اختار والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان سعيد أمزازي، أن ينحاز بوضوح إلى ما ينبغي أن يكون أولوية...

News text

12:11

سعيد ولد الحوات يختتم موسم مولاي عبد الله أمام حضور قياسي بلغ 380 ألف متفرج

مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي اختتمت فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، مساء أمس، في أجواء احتفالية استثنائية، بلغت ذروتها خلال السهرة الفنية الختامية التي أحياها الفنان الشعبي سعيد...

News text
Promo
الرئيسية

«كنز المعرفة».. حيث تتحوّل إنجازات مدرستك إلى خبر من ذهب 

كنز نيوز  في خطوةٍ نوعيةٍ تُعزّز حضور الإعلام التربوي الهادف على صعيد الإقليم، تُعلن جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية عن صدور العدد الأول من مجلتها التربوية «كنز المعرفة» في نسختيها الورقية...

إعلان مميز

كلام من ذهب

Author
أشرف لكنيزي
في مديح مدير الحملةِ الذي يُتقن كلَّ شيءٍ… إلا سدادَ ما عليه

أشرف لكنيزي يُنتِج كلُّ موسمٍ انتخابيٍّ أصنافَه، وفي مقدّمتها صنفٌ نادرُ الموهبة: مدير الحملة الذي يقدر على حشد الآلاف في ساحةٍ عامة، ويعجز عن مواجهة ثلاثةِ دائنين على باب مقهى....

Author
الشباب والسياسة: كيف يعيد الوعي الجديد بناء ثقة المواطنين بعيداً عن صفقات المقاعد..؟

✍️: الأستاذ يوسف فلات، المحامي والمرشح عن الحزب الديمقراطي الوطني بخريبكة إن الواقعة التي اثارت جدلا واسعا والتي تتعلق بتنازل أحد المنتخبين ليست مجرد حدث عابر، بل هي مؤشر يستوجب...

Author
أشرف لكنيزي
عشرة ملايين سنتيم ثمنًا للتنازل عن مقعدٍ منتخب.. في جذور أزمة الثقة بين الشباب المغربي والنخبة السياسية

✍️ أشرف لكنيزي على بُعد أسابيع من تشريعيات الثالث والعشرين من شتنبر، تعود ممارسات “شراء الذمم” إلى الواجهة، فيما يطرح العزوف المتصاعد سؤالًا عميقًا على جدوى الوساطة الحزبية وقدرتها على...

Author
الدولة بيروكي
المسؤول والمواطن: أين الوصول ..؟

✍️: الدولة بيروكي  في ظل الدعوات للهجرة إلى سبتة ومع اقتراب موعد الإنتخابات نعود من جديد في عرض هذا المقال على صحيفة كنز نيوز ، ويسعدني الإنضمام لها: لاتستطيع أن...