مراحيض خريبكة بـ150 مليون سنتيم: حين يصبح “دفتر التحملات” هو السؤال ..؟

أشرف لكنيزي
على قارعة شارع “شوفوني” بمدينة خريبكة، تنتصب لوحة إشهارية بيضاء تُعلن عن ورشٍ عمومي صغير الحجم، كبير الأثر في النقاش العام. اللوحة لا تُخفي شيئاً من أرقامها: مشروع لبناء “بلوكات صحية” (مراحيض عمومية) لفائدة جماعة خريبكة، بكلفة إجمالية بلغت 1.503.528,00 درهم، أي ما يناهز 150 مليون سنتيم، في أجل تنفيذٍ لا يتعدى 90 يوماً. وعلى بُعد أمتار، يقف المرفق نفسه قيد الإنجاز: بناية مدمجة، مكسوّة بألواح مركبة من الألمنيوم، تعلوها قرميدة حمراء، وتزيّنها زخرفة نجمية على الطراز المغربي.
المشهد، في ظاهره، عادي. لكنه يختزل واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في تدبير الشأن المحلي: كيف يُصرف المال العام، وهل من حق المواطن أن يعرف..؟
ما يُغذّي النقاش ليس الرقم وحده، بل علاقته بما تراه العين. فالبناية، كما تبدو في طور الإنجاز، مكسوّة بألواح ألمنيوم، وهي مادة اقتصادية نسبياً وسريعة التركيب، ما يجعل كثيرين يتساءلون: هل نحن أمام منشأة قارّة بمواصفات تُبرّر كلفتها، أم أمام هيكلٍ أقرب إلى المراحيض “المؤقتة” التي تُركَّب وتُفكَّك..؟
وهنا يكمن جوهر الإشكال المنهجي: الكسوة الظاهرة لا تكشف ما تحتها. فالمبلغ قد يشمل أساساتٍ خرسانية، وربطاً بشبكتي الماء الصالح للشرب والتطهير السائل، وتجهيزاتٍ صحية داخلية، وتهوية، وولوجيات لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي كلها أشغال “لا تُرى” لكنها تُكلّف. غير أن هذا الاحتمال نفسه لا يمكن أن يبقى مجرّد افتراض حسن النية؛ فهو بالضبط ما ينبغي أن يُوثَّق ويُنشر، لا أن يُترك لتخمين المارّة.
كلفة خريبكة ليست “الرقم القياسي” الذي يُصوَّر أحياناً؛ فهي أدنى بكثير من المراحيض “الذكية” في الرباط وطنجة التي لامست 180 و200 مليون سنتيم للوحدة، وأثارت بدورها انتقادات حادة — بل إن بعض تلك المرافق “تآكلت قبل أن تُفتح” في وجه العموم، وهو ما يجعل السؤال عن جدوى الإنفاق أكثر مشروعية من السؤال عن حجمه فقط.
ومن جهة أخرى، تبقى كلفة الوحدة في خريبكة أعلى بشكل لافت من النموذج البيضاوي الحديث الذي لم يتجاوز 19 مليون سنتيم للمرحاض. وهذا الفارق — أربعة أضعاف تقريباً — هو ما يستوجب تفسيراً تقنياً ومالياً دقيقاً: هل يعود إلى جودة المواد..؟ إلى طبيعة الأشغال التحتية..؟ إلى الولوجيات..؟ أم إلى عناصر أخرى غير ظاهرة..؟ الجواب لا يُستنتج، بل يُطلب.
جوهر مطلب المواطنين ليس “إدانة” المشروع، بل الاطلاع عليه. وهو مطلبٌ لا يستند إلى الرغبة وحدها، بل إلى الفصل 27 من دستور 2011، الذي يكفل للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وقد جاء القانون رقم 31.13، الصادر سنة 2018، ليُفعّل هذا الحق ويُنظّم مساطره، ويشمل صراحةً الجماعات الترابية ضمن الجهات المُلزَمة بتقديم المعلومة.
بموجب هذا الإطار، ليس من “الفضول” أن يطلب مواطنٌ نسخةً من دفتر التحملات، أو تفاصيل الأشغال المنجزة، أو طبيعة التجهيزات، أو تفصيل الكلفة حسب مراحل الإنجاز. بل إن القانون يجعل الأصل هو مجانية المعلومة، ويُلزم الإدارة بتعليل أي رفض، ويُتيح لطالبها اللجوء إلى الطعن. والجماعة، بوصفها صاحبة المشروع، هي المعنيّة الأولى بالإجابة — استباقياً، قبل أن يُطلب منها ذلك.
بهذا المعنى، فإن نشر المعطيات ليس تنازلاً تتفضّل به الإدارة، بل التزامٌ قانوني ووسيلةٌ لبناء الثقة، لا لهدرها.
الإنصاف يقتضي إيراد الحجة المضادّة كاملة. فمن الخطأ المنهجي تقييم كلفة مرفقٍ عمومي انطلاقاً من مظهره الخارجي وحده. فالميزانية قد تتضمّن دراساتٍ تقنية، وبنياتٍ تحتية، وربطاً بالشبكات، وتجهيزاتٍ غير مرئية، وضماناتٍ للصيانة، وهي عناصر لا يمكن لعين المارّ أن تُقدّرها. والحكم السليم لا يُبنى على الصورة، بل على الوثائق والمعطيات الرسمية.
كما أن مقارنة الأرقام بين المدن تظل ناقصة ما لم تُقارَن “مثيلاً بمثيل”: فمرحاضٌ ذاتي التنظيف بتقنية إلكترونية ليس كمرحاضٍ عادي، ومرفقٌ مزوّد بولوجيات لذوي الاحتياجات الخاصة ليس كمرفقٍ دونها. ولهذا فإن الدعوة إلى الشفافية هي نفسها الدعوة إلى عدم التسرّع في الحكم؛ فالطرفان — المنتقِد والمُدافِع — يلتقيان عند نقطةٍ واحدة: الوثيقة تحسم ما لا يحسمه الظنّ.

بدل أن يظل السجال معلّقاً بين “تبذير” و”مبالغة في التقييم”، يكفي أن تُنشر هذه الوثائق لتضع كل شيء في نصابه: دفتر التحملات الخاص بالصفقة (BPC/CPS)، بمواصفاته التقنية، عدد المرافق التي يشملها المبلغ، الكشف التفصيلي للكلفة (Détail estimatif): كم للبناء، كم للتجهيزات، كم للأشغال التحتية، طبيعة المواد ومدة الضمان والعمر الافتراضي للمنشأة، مسطرة إبرام الصفقة (طلب عروض..؟)، وتقرير التسلّم التقني عند الانتهاء. هذه الوثائق ليست أسراراً؛ إنها بالضبط ما وُضع القانون 31.13 ليُتيحه. ونشرها الاستباقي كفيلٌ بأن يُحوّل “شبهة” إلى “بيان”، و”جدلاً” إلى “ثقة”.
المراحيض العمومية، على تواضع اسمها، اختبارٌ حقيقي لجودة التدبير المحلي: فهي تمسّ كرامة المرتفق اليومية بقدر ما تمسّ نزاهة صرف المال العام. والسؤال الذي تطرحه لوحةُ خريبكة ليس “لماذا هذا المرحاض..؟”، بل “أين الوثيقة..؟”. فحين تُنشر المعطيات كاملةً، يربح الجميع: تربح الجماعة ثقةَ ساكنتها، ويربح المواطن حقّه الدستوري في المعرفة، ويربح المال العام رقابةً هي خير حصنٍ له.
وبين “ربط المسؤولية بالمحاسبة” شعاراً، وتفعيله ممارسةً، تقع مسافةٌ اسمها الشفافية. وهي مسافةٌ تُقطع بوثيقة، لا بخطاب.
جهات
بومية.. خطوة جديدة نحو مدينة أجمل وأكثر إشراقًا
بومية: حسن أيت يوسف انطلقت صباح اليوم بمدينة بومية أشغال إعادة تهيئة وتأهيل المساحات الخضراء بساحة ألمو، في خطوة نأمل أن تشكل بداية لمسار متواصل للارتقاء بجمالية المدينة وتحسين جودة...
انطلاق المهرجان الوطني لـ “تابرغازيت” بأغبالو أسردان احتفاء بالتنوع الثقافي المغربي
كنز نيوز: أغبالو أسردان تنظم الجمعية الحسنية بشراكة مع وزارة الثقافة و الشباب والتواصل – قطاع الثقافة، خلال هذه الأيام فعاليات المهرجان الوطني تابرغازيت بمنطقة أغبالو أسردان وذلك احتفاءً بذكرى...
أنزا بلا «جيت سكي».. سعيد أمزازي يضع سلامة المصطافين فوق كل اعتبار
عصام أمكار في شاطئ ضيق لا يحتمل مزيدًا من الضغط، اختار والي جهة سوس ماسة عامل عمالة أكادير إداوتنان سعيد أمزازي، أن ينحاز بوضوح إلى ما ينبغي أن يكون أولوية...
سعيد ولد الحوات يختتم موسم مولاي عبد الله أمام حضور قياسي بلغ 380 ألف متفرج
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي اختتمت فعاليات موسم مولاي عبد الله أمغار، مساء أمس، في أجواء احتفالية استثنائية، بلغت ذروتها خلال السهرة الفنية الختامية التي أحياها الفنان الشعبي سعيد...
معرض التعاونيات المحلية بموسم مولاي عبد الله أمغار.. رواج اقتصادي وتضامني للمنتوجات المجالية
مولاي عبد الله أمغار: أيوب العبضولي شكل معرض التعاونيات المحلية، الذي نظم على هامش موسم مولاي عبد الله أمغار، فضاء اقتصاديا وترويجيا للتعريف بمختلف المنتوجات التقليدية والمجالية، وإبراز ما تزخر...











